الشيخ عبد الغني النابلسي

307

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

النشأة ، أي الخلقة الأخروية التي قال تعالى : وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى ( 47 ) [ النجم : 47 ] ، وذلك لأنه قد مات بالموت الاختياري ، وقبر في ترابه الذي خلق منه وسئل في قبره وتنعم بنعيم القبر وفني جسمه وتفرقت أجزاء تركيبه ونفخ في صوره وقد حشر في أرض القيامة كل ذلك وهو في دنياه بين الغافلين ولا يشعرون به ونشر ، أي خرج من قبره إلى عالم آخرته فهو ، أي ذلك العارف يرى كشفا بحسه وعقله ما لا يرون ، أي الناس ويشهد ، أي يعاين من عوالم غيب الملكوت والملك ما لا يشهدون ، أي الناس وهذا عناية من اللّه تعالى ، أي محض فضل ومنة واعتناء ببعض عباده تعالى المؤمنين في ذلك الأمر المذكور فمن أراد العثور ، أي الاطلاع على هذه الحكمة الإلهية الإلياسية الإدريسية ، أي المنسوبة إلى إلياس الذي هو إدريس عليه السلام الذي أنشأه ، أي خلقه اللّه تعالى نشأتين ، أي مرتين فكان إدريس عليه السلام نبيا فقط قبل نوح عليه السلام فهو أحد أجداد نوح عليه السلام واسمه يومئذ إدريس عليه السلام ثم رفع إلى السماء الرابعة كما قال تعالى : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( 57 ) [ مريم : 57 ] . وقد ذكر المصنف قدس اللّه سره فص حكمته فيما تقدم بعد فص حكمة نوح عليه السلام ونزل ، أي إدريس عليه السلام من السماء رسولا بعد ذلك الرفع إلى أهل قرية بعلبك كما مر ذكره وكان اسمه حينئذ إلياس عليه السلام . وذكر المصنف قدس اللّه سره هذا الفص لبيان حكمته فجمع اللّه تعالى له ، أي لإدريس عليه السلام بين المنزلتين ، أي منزلة النبوّة أوّلا قبل نوح عليه السلام من غير رسالة ، ومنزلة الرسالة أيضا مع النبوّة بعد نوح عليه السلام فلينزل ، أي أداء العثور على ذلك عن حكم عقله عليه بالكلية إلى حكم شهوته عليه بما تقتضيه في التناول المباح دون المحظور عليه وليكن في ذلك الحال حيوانا مطلقا ، أي في جميع أموره الظاهرة والباطنة حتى يكشف من غيب الملكوت ما تكشفه كل دابة من الحيوانات ما عدا الثقلين ، أي الإنس والجن فحينئذ يعلم ، أي ذلك الذي يريد العثور والاطلاع إذا فعل كذلك أنه قد تحقق بحيوانيته في نفسه وخرج عن حكم عقله بالكلية وعلامته ، أي علامة من تحقق بحيوانيته علامتان العلامة الواحدة هذا الكشف المذكور عما تكشفه كل دابة ما عدا الثقلين فترى من يعذب في قبره ومن ينعم في قبره ولا يحجبه عن شهود ذلك إدراك عقله ، لأنه قد تجرد عن حكمه ، ولا يحجب العقلاء عن أمور الغيب والملكوت إلا دخولهم تحت أحكام عقولهم في ظواهرهم وبواطنهم .